ابن الجوزي

70

صيد الخاطر

الغرائب لهذا المعنى ، ومن هذا الفن يحصل كثير من المقصود من دفع هذه الفضول المؤذية بمنكوح مستجد وان كان مستقبح الصورة ما لا يحصل به في العادة . ومثال هذا أن الطاعم إذا امتلأ خبزا ولحما حيث لم يبق فيه فضل لتناول لقمة ، قدمت إليه الحلوى فيتناول ، فلو قدم أعجب منها لتناول لأن الجدّة لها معنى عجيب . وذلك أن النفس لا تميل إلى ما ألفت ، وتطلب غير ما عرفت ، ويتخايل لها في الجديد نوع مراد ، فإذا لم تجد مرادها صرفت إلى جديد آخر ، فكأنها قد علمت وجود غرض تام بلا كدر ، وهي تتخايله فيما تراه « 1 » . وفي هذا المعنى دليل مدفون على البعث لأن خلق من همته متعلقة بلا متعلق نوع عبث « 2 » . فافهم هذا ، فإذا رأت النفس عيوب ما خالطت في الدنيا عادت تطلب جديدا . ولذلك قال الحكماء : العشق العمى عن عيوب المحبوب . فمن تأمل عيوبه سلا ، ولذلك يستحب للمرأة أن لا تبعد عن زوجها بعدا ينسيه إياها ، ولا تقرب منه قربا يمله ، وكذلك يستحب له ، لئلا يملها أو يظهر لديه مكنونات عيوبها ، وينبغي له أن لا يطلع منها على عورة ، ويجتهد في أن لا يشم منها إلا طيب ريح ، إلى غير ذلك من الخصال التي تستعملها النساء الحكيمات ، فإنهن يعلمن ذلك بفطرهن من غير احتياج ( إلى تعليم ) . فأما الجاهلات فإنهن لا ينظرن في هذا فيتعجل التفات الأزواج عنهن . فمن أراد نجابة الولد وقضاء الوطر فليتخير المنكوح إن كان زوجة فلينظر إليها فإذا وقعت في نفسه فليتزوجها ، ولينظر في كيفية وقوعها في نفسه . فان علامة تعلق حبها بالقلب انه لا يكاد يصرف الطرف عنه ، فإذا انصرف الطرف قلق القلب بتقاضي النظرة « 3 » ، فهذا الغاية . ودونه مراتب ، على مقاديرها يكون بلوغ الاغراض ، وإن كان جارية تشترى فلينظر إليها أبلغ من ذلك النظر ، ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه ثم ليرى ذلك منها فان الحسن في الفم وفي العينين .

--> ( 1 ) في هذا إشارة إلى نظرية أفلاطون في المثل العليا . ( 2 ) أي ان الانسان كلما نال لذة في الدنيا طمع بأخرى فلا يقنعه الا لذة ليست في الدنيا وهي لذات الجنة . ( 3 ) أي اشتغل بطلب نظرة أخرى .